الأحد، 20 يوليو، 2014

الدولة الاسلامية و شبهة الاصنام


بعد ان بينا في الموضوع السابق مدى حساسية الدولة الاسلامية تجاه المكان بما يحمل من اسباب الشرك بالله، ظنا إن اصنام هذا الزمان تتمثل بالحجارة و التمر و الخشب الذي صنعت منه في السابق اصنام اللات و العزة و مناة، فأقول إن انسان القرن الواحد و العشرين ابعد ما يكون عن هذه الافكار البالية و الاعتقاد غير المنطقي في حسابات عصر الانترنت، فالاسلام قد قضى نهائيا على فكرة الوثنية الحجرية او المكانية الصورية.
ان اصنام قريش موجودة في كل زمان فقط تبدل ثيابها في كل مناسبة، و يخطئ من يظن ان الصنم مرتبط بالتمثال من حجر،و على قول احد الفلاسفة: تبدل في كل حال مناة ... شاب بنو الدهر و هي فتاة.    
فالموضة اليوم تلخصت في عبادة الشخصية، و قصة الوثنية في عالم العروبة اصبحت وثنية سياسية و دينية بشرية فكرية تنطق مع العباد تأمرهم و تنهى و هي من اعقد انواع الاصنام على الاطلاق و اكثرها خطورة من اصنام الحجارة.
و لمعرفة مفهوم الصنم و مواصفاته هذه الايام فانه بشري يتظاهر دوما بأنه بسيط في كل شيئ و لا يتكلم كثيرا الا في اوقات الضرورة، و يأخذ السدنة ممن حوله مهمة الكلام و التصريح، فيوحون الى العباد زخرف القول غرورا، ليفرضوا على عقولهم الانصياع و الرهبة امام سيطرته، فهو فوق النقد و الخطأ، بل يستحق التعظيم و الزلفى.
 و في الفترة الاخيرة اصبحت الزعامات الدينية هي خير وسيلة يستغلها هؤلاء السدنة المنتفعين على حساب الضعفاء و المخدوعين، مستغلين حب المسلمين و شوقهم لأحياء السنة و الدين.
لقد حلت مجتمعاتنا الدينية في المنطقة بكل طوائفها ضيفا مبجلاً على الوثنية مع الاسف الشديد، بل وصل حداً كارثياً بتقديم القرابين البشرية من خلال خوضها حرباً ضروساً، أينما يأمر الصنم يزحف الزاحفون و هم لا يعقلون!!
 الجماعات الجهادية بدورها و التي قدمت نفسها بقوة من خلال التوحيد، كانت ايضاً صيدا سهلا وقع في شراك الصنمية غير ملتفتة الى هذا المرض الخطير المتخفي، و السبب على ما اظن هو في ضعف معرفة و تشخيص الحقائق، فعدم المعرفة هو وثنية، فحالما تغرب الفكرة يبزغ الصنم و العكس صحيح.
و لكي لا يبقى المتسائل في حيرة، أقول انه قد بدأ الموضوع كله في العراق بعد الاحتلال الامريكي مباشرة، و مع الشيخ ابو مصعب الزرقاوي، حينما كان اميراً لتنظيم قاعدة الجهاد في العراق، فبعد ما تحقق من عمليات نوعية ضد الاحتلال، اخذ نجم الشيخ يعلو شيئا فشيئاً، و اصبح الدعم المادي و المعنوي ليس كبادئ الامر بل افضل، عندها اعلن الشيخ الزرقاوي عن نواياه و بات غير مهتما لما يمليه عليه شيوخه من قادة تنظيم القاعدة العالمي، و لم تأتي بنفع رسائل الشيخ اسامة بن لادن او غيره من الامراء، و اعانه على ذلك العصيان من هم حوله من ابناء تنظيم الدولة الاسلامية في العراق، و كان هذا التصرف خارج اطار الشرعية، فتصرف ابناء الدولة انذاك تصرف عاطفي بحت ناجم من خلال كاريزما الشيخ الزرقاوي التي وجدت مكانها في قلوبهم، غير ملتفتين الى الخطأ الشرعي الذي وقع فيه الشيخ، و الذي زرع اول بذور الخلاف و الصنمية و التحزب للأشخاص على حساب الطاعة الالهية.
الشيخ الزرقاوي فتح الباب على مصراعيه امام الاخرين لنكث البيعة حالما تتعارض المصالح، فبعد أن احس الشيخ البغدادي ان الامور ستخرج عن سيطرته في الشام سارع الى اعلان ضم جبهة النصرة، الامر الذي رفضه الشيخ الجولاني لكي يتحول اتباع الشيخ الزرقاوي الى قسمين كما نسمع، ناكثي بيعة في النصرة و غلاة خوارج في الدولة .
المقاتلين من المهاجرين وقعوا في حيرة كبيرة من امرهم و لازالوا، عندما رأوا ان السوريين تحولوا مع الشيخ الجولاني، و العراقيين ألتزموا الشيخ ابو بكر البغدادي، فاصبحت الضابطة قومية أكثر من شرعية، و استمر الى هذه اللحظة اتباع الظن و الرغبة يخيم على اختيارات المقاتلين و ولاءاتهم، تراهم مذبذبين بين شخص البغدادي او الجولاني؟؟!!
ثم نطق الرجل الحكيم كما يعرف عنه بما لا يحمد عقباه، فحاول الظواهري فض النزاع بين الشيخين الجولاني و البغدادي لكنه زاد الطين بلة، و وضع الجولاني تحت أمرته، ليعيد لأبناء تنظيم الدولة صفعة قديمة قد تلقاها سابقاً منهم، حينما بايعوا الزرقاوي، فالظواهري كان من اشد المعترضين على تصرفات الاخير في العراق و عدم احترامه لرؤية شيوخه في تنظيم القاعدة.
و لا ارى اي ضابطة علمية او شرعية يحملها هذا الرجل، فالموضوع لخصه الظواهري لنا بصراعات نفوذ و أموال و مرجعيات يأمل ان يجني ثمارها هو وغيره في ساحة الشام، و الكلام موجه هنا الى ابناء تنظيم القاعدة ايضاً، والذين جعلوه اميراً عليهم في منصب كان يشغله الشيخ الحكيم اسامة بن لادن و الذي كان كفؤاً و حريصاً على اتباعه.
إن من نتائج الصنمية الجديدة هو ما اشعل مواقع التواصل الاجتماعي في تويتر و غيره بمختلف التغريدات التي تحمل انواع التهم و الاساءات، والتي اصبحت صيداً ثميناً لوسائل الاعلام، تكشف فيه عن حجم الخلاف الذي اصبح عليه اتباع الشيخ الزرقاوي، خلافات كبيرة ذهب ضحيتها و لا زال مئات القتلى في الرقة و دير الزور، اصبح معها المهاجرين حطباً لتصفية الحسابات بين قيادات التنظيمين، فخطب ابو ماريا القحطاني و ادعاءاته لا تزال مع خطب الشيخ العدناني تحز ارواح الكثير من ابناء التنظيمين، ليجدوا الموت يطاردهم صبراً في بيعة الاصنام.
الامر اصبح اكثر من مخجل تغريدات تناولت تحرير زوجة الشيخ البغدادي على يد جبهة النصرة، ليفتح الباب على مصراعيه امام مهاترات كثيرة بين اتباع الدولة و اتباع النصرة لا تعكس ادنى مستوى من التعقل و المعرفة، فأصنامهم قد انستهم ذكر ربهم.

 المتابعين كلهم قد رصدوا على الدوام حركة يفعلها اتباع التنظيمات الجهادية ميزتهم بهاعن غيرهم، و هي رفع اصبع السبابة نحو السماء اشارة الى توحيد الخالق، إلا ان الراصد لأفعال ابناء التنظيمين في سوريا يرى ان هذه الحركة اصبحت طريقة ليسبوا بعضهم البعض و يتوعدوا بعضهم البعض بالقتل، اشارة الى انحراف المسار عن موضعه و تقديم طاعة المخلوق على الخالق.
إن هذا هو الذي اختلط على عدي بن حاتم عندما جاء فدخل المسجد و الصليب معلق في رقبته وهو مسيحي و الرسول (ص) يقرأ اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله... 
إن عدي استفظع الموضوع، كيف يتحول الحبر والراهب بضربة واحدة إلى رب؟ فشرح له ص :  
إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فذلك عبادتهم إياهم... 
انها مشكلة اعتقال العقل بالوهم ...و استرهبوهم و جاءوا بسحر عظيم.
اين الاصنام إذاً هل هي في افغانستان او في بابل و اشور، هل هي اصنام بوذا و النمرود، ام سدنة الدين و قياداته؟؟!!
ان اختلاط هذا المفهوم و عدم تحرير العقل منه يجعل الانسان في ضباب كثيف، و عطالة في التحرر من الوثنية الحقيقية، فالعقل الاسلامي و الجهادي حالياً اصبح يعاني الاختناق بنقص الاوكسجين.
إننا كمسلمين نضرب في المكان الخطأ كما ينطح الثور الاسباني خرقة المصارع، و هو يظن انه يحسن الصنع، انه يبدأ دوماً بالهجوم لكي يموت بعد ذلك امام جمهور يصفق بحرارة من غير ملة الاسلام!!
هكذا تكون القرابين بشرية في عصر التطور و الحداثة، فإذا كانت الوثنية و الاشراك قديماً تعد جهلاً، فالجهل هذه الايام في حقيقته وثنية و صنمية، فالعناوين تأخذ مأخذها من الناس دون تفكر.. 
إن معركة التوحيد التي قادها الانبياء في التاريخ لم تكن غيبية جدلية تتخذ من علم المنطق و الكلام ساحتها، بل كانت واقعية اجتماعية سياسية تدور حول السلطة و المال و النفوذ و المرجعية و الجنس، فقصة شعيب اقتصادية و لوط جنسية و فرعون سياسية، فكلها من رحم الشيطان خرجت لتعود متجددة هنا، فكل من ادعى الايمان لا بد ان يفتن بالبلاء و لا زالت التصفية مستمرة ليميز الخبيث من الطيب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق