الأحد، 6 يوليو، 2014

دولة الاسلام في شكلها الجديد


صمم الاسلام نفسه بمرونة تتجاوب و متطلبات الانسان، فمرة خاطب العرب بوعود الملذات الحسية التي تناسب جسمانيتهم الطاغية، و مرة خاطب الفرس بوجدانية تناسب روحانيتهم، و مرة خاطب الترك من خلال الترغيب على العمل مما يلائم قوتهم و ميولهم للإنجاز. أما الجانب العلمي فيمكن ملاحظة ان هذا الخطاب موجه الى الامم المتقدمة كدول اوربا و الغرب.
لم يقدم الاسلام احكاما قاطعة او بمعزل عن واقع الانسان و تطور حيثيات الحياة، فالكل يعلم إن لحم الميتة حرام لكن ترك الباب مفتوحا امام المضطرين. اما ما قيل في الخمر و تناوله فلازلت اذكر الرواية المنقولة عن ام المؤمنين عائشة (رض) عن النبي (ص)  : ( اشربوا و لا تسكروا)سنن النسائي، و ما نقله ابن عمر عن النبي (ص) : ( من شرب الخمر في الدنيا فمات و هو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الاخرة)سنن النسائي.
فالذي نفهمه من هذا الكلام هو مدى الرحابة التي يقدمها الدين الحنيف، حيث ان القران و السنة النبوية لم تجعل من عقوبة في الدنيا لشارب الخمر، بل جعلتها محرمة عليه في الاخرة.
ان الاحداث المتسارعة الشديدة الخطورة التي تضرب مجتمعاتنا في المشرق العربي و دوله و التي تهدد اسباب الحياة فيها تدعونا الى فرز الاسلام الحنيف عن افعال انصار دولة العراق و الشام، و التي تحمل للمنطقة برمتها فشلا ذريعا للدول و المجتمعات و فشل للدين ايضا.
إن الاسلوب و الستراتيجية المتبعة في نشر رقعة الدولة الاسلامية اختصارا داعش تمثل في جوهرها مطحنة لشعوب المنطقة و البنى التحتية، و آلة استعباد منفصلة عما عرفناه من عوالم العلم و العمل و الدعوة للتي هي احسن تلك التي جاء بها القرآن، فالعداء الصريح للحريات و النساء و الجمال و التعليم الحديث يظهر واضحا من خلال وثائقهم التي اعلنوها في اماكن سيطرتهم مؤسسين بذلك لبناء سلطة شرعية دينية ذات رؤية شديدة الضيق للدين، و منها لنشوء حكم عنصري فائق النخبوية فاشي في معاملته للعامة.
إن من اخطر الافعال التي يرتكبها اتباع الدولة هو جعلهم انفسهم ميزان يوزن به اسلام الاخرين، مما يفتح الباب امام تطاير التهم في كل الاتجاهات، فلا يكاد مسلم يأمن على نفسه من تهمة ما لم تكن رؤيته للإسلام مطابقة مع اسلام دولة البغدادي، ناهيك عما يتعرض له ابناء الديانات المخالفة و الذين حفظ لهم الاسلام هيبتهم و مقدساتهم و جعلهم في حمى المسلمين.
و نحن نعيش في مناطق الدولة الاسلامية هل يتركك انصارها و شأنك دون ان يتدخلوا في شكل ملبسك و لونه و قياساته، حتى في حريمك يكون لهم الرأي في دخولهن و خروجهن. اما ما يخص قصة شعرك فقد وصلوا الى حالة من التعصب ضد الحلاقين حتى افتوا بقتلهم باعتبارهم تهديد خطير للمجتمع كالأمية و الفقر و عمالة الاطفال؟؟!!
في تلك الدولة ... هل يدعك اتباعها اظهار عقائدك مؤتمناً بعدها على حياتك و حياة عائلتك؟
ولماذا يتركز القتل في هذه الدولة دون غيرها سمةً ظاهرةً، و لا يتوفر بدلا عنه حق اللجوء الانساني؟تلك الدولة لا تعطي حق اللجوء سوى لمن امتهن حرفة القتل لا من هرب منها!!
لماذا لا يقدم انصار هذه الدولة اي منجز يستحق الثناء في مجال الحضارة الانسانية كحق العيش بدلا من الذبح؟! إن الامم و الدول الناجحة قدمت لنا نحن العرب و المسلمين عصارة فكرها و انجازها المادي الذي لا زلنا نتنعم بخيراته، بالمقابل ما الذي استطاعت دولة الخلافة تقديمه طوال سني وجودها في العراق، ما خلا الجلد و قطع الرؤوس و تدثير النساء بدلا من تعليم الرجال غض البصر.
و لست ادري كيف تقضي محاكم دولة الخلافة بقطع ايدي السراق دون ان تعالج مشكلة الفقر و العوز؟في حين تتراكم الثروات و الغنائم في ايدي حفنة من القادة المحميين بالمقدس.
لقد جاء بزوغ هذه الدولة كأمتداد طبيعي لما اورثته الانظمة الدكتاتورية في العراق و الشام من قضاء على الحريات و العدالة، فهم تجديد لشباب انظمة الطغيان و سحق لقوى النهوض و التجدد و الحرية في المجتمعات لكي يغلب على مبدأ الدولة و الحريات حرب المذاهب و العشائر و الميليشيات.
إن اللعب الخطير بالدين و توظيفه باتجاه اقامة سلطة الاستعباد، تلك التي يقدمها اتباع دولة الخلافة البغدادية لا تحمل في الافق غير العدم و الظلام، حيث لا اقتصاد و لا تعليم و لا ثقافة و لا اجتماع و لابهجة في العيش و لا كرامة للأنسان و لا احترام بين الناس، فضلا عن انعدام الحريات العامة و الفردية، و هي بمثابة ضربة كبيرة لمقدار التطور الذي وصلت اليه مجتمعات المنطقة و ارتداد عكسي الى عوالم الماضي.
دول كثيرة ملأت بصفحاتها الحمراء كتب التاريخ الاسلامي، سارت من قبل على خطى دولة البغدادي اليوم، لكن اين هي تلك الدول و ماذا خلفت في المجتمعات الاسلامية، فالمطلع على دولة المختار الثقفي او دولة الزبيريين يرى بجلاء مدى التطابق الواضح بينها و بين دولة الخلافة البغدادية من حيث التعاطي مع المجتمعات، و التي لم تجني منها سوى الدماء و كثرة الارامل و الايتام.
رسائل كثيرة يبعثها لنا الماضون ممن وقعوا في شراك تلك الكيانات التي اسست الفرقة و الطائفية باسم الدين، و لم يجنوا منها سوى السيف و الموت تحت ظله، تدعونا الى عدم الخوض في هكذا مشاريع خاسرة و دول ميتة قبل ولادتها.
ان دولة الخلافة لا تفرض على الناس كأمر واقع فلا اكراه في الدين، ناهيك عما يطرحه اتباعها من افكار بعيدة عن روح التسامح الاسلامية، فلا يمكن تصور فرض دولة خلافة بالترهيب و الذبح، فإن مخالفة المنطق القراني الرافض لإكراه الناس يعد تلك الدولة غاصبة للمجتمعات لا يكتب لها النجاح مهما امتدت او استمرت او كثر اتباعها، فالاكثرية ليست حجة بل على العكس (اكثرهم للحق كارهون) و ان المستقبل الذي ينتظر تلك الدولة مشابه للدول التي سبقتها....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق