الاثنين، 14 يوليو، 2014

الدولة الاسلامية و فوبيا المكان

كانت الكعبة أيام الجاهلية مجمعاً لألهة العرب وقد أختلف الرواة في عدد الأصنام ومكانها، فبلغوا العدد 365 بعدد أيام السنة، وقالوا إن بعضها ثبت على ظهر الكعبة والآخر داخلها، وأجمع هؤلاء على إن تطهيرها من الآصنام جرى في يوم فتح مكة سنة (10هـ )، حيث أشارت روايات كثيرة إن الرسول (ص) قام بتحطيم الأصنام بواسطة قوس كان بيده، ما يطعن به صنماً إلا خر على وجهه، ومما يذكرأيضاً إن بعضها إلقي في الأبار وبعضها أندثر تحت الرمال.
الدولة الإسلامية في عهد النبي محمد (ص) سعت إلى محو أثار الجاهلية، التي كانت منتشرةً أنذاك في جزيرة العرب ليس من خلال تكسير الاصنام فقط، بل حاولت جاهدةً أيقاظ العقول العربية، التي كانت ولازالت تغط في نومٍ عميق دون جدوى.
واليوم في موضوعنا هذا نتكلم عن أهمية المكان في الإسلام، والذي يحسدنا عليه اليهود والنصارى، فكلنا يعلم إن هيكل سليمان الذي يبحث عن اليهود كان تاريخاً بدون مكان، وكنيسة المهد للنصارى كانت مكاناً بدون تاريخ، فيما كانت الكعبة والمسجد النبوي مكاناً منحه الإسلام تاريخه وعمقه العبادي وجعل العبادات الآلهية مرتبطة به كما لا يخفى.
الكعبة أيام الجاهلية سلخت من تاريخها وجاءت دولة الإسلام الأولى وأعادتها إلى التاريخ وأعادت العرب معها إلى العمارة والهندسة، حيث دخل المسجد كمكان بأبعاد هندسية إلى الحياة العربية وسبقه الجبل والغار، ولحقه الخندق والمنبر ثم تسنيم القبور ( رفعها عن الأرض بمقدار)، ومع تطور الزمان جاء المحراب والمآذنة والحمى والمصر فتعددت الأمكنة، وأصبحت تلكم الأماكن شواهد على بزوغ الحضارة الأسلامية ومصدر ألهام في العمارة والفنون للشعوب الآخرى.
إلا إن الغريب في الموضوع هو ما تفعله الدولة الأسلامية الحالية وخليفتها البغدادي، والذي يعاني مع أتباعه فوبيا المكان، وحساسيتهم المفرطة أزاء الشرك من خلال التعلق بالمكان، ولا أعلم من أين جاءوا بتلك الهواجس، فالأسلام دين زمان ومكان، أما الزمان فهو الصلاة والصوم وأما المكان فهو القبلة والحج والأعتكاف والسير في الأرض لرؤية آثار الماضين للأعتبار.
فمن أين للبغدادي وأتباعه ذلك العداء المعلن لأثار الماضين، حيث نراهم يسيرون على سيرة طالبان في تفجير المواقع الأثرية، وتكسير التماثيل ورفع راياتهم السوداء فوقها؟!
 قد يتسائل القارئ مستفسراً أين كان الرسول (ص) وخلفائه الراشدون عن تلكم الآثار والأصنام عندما فتحوا العراق والشام، مع كل ما تحوي من المظاهر في بابل وأشور وتدمر وآثار الرقة وبصرى وغيرها، لماذا لم يحطموها ويرفعوا راية الأسلام فوقها كما يحدث الآن؟؟ هل هذا الأمر يدعو إلى الشك في توحيد الأولين من المسلمين و في عدالة الخلفاء الراشدين بتركهم تلك الأصنام دون تحطيم أم ماذا؟!!
أم هل جاء البغدادي وأتباعه بدين يختلف عن دين محمد (ص) والذي روي عنه دعوته المسلمين المارين بهذه الآثار إلى الأعتبار والبكاء حتى لا يصيبهم ما أصاب اولئك القوم المعذبين بعذاب سماوي، كمدائن صالح النبي صاحب الناقة التي عقرها قومه وحكى القرآن عن قصة عذابهم.
وهنا يثار تساؤل  مهم، وهو ما الفائدة المرجوة من محو مكان يحكي قصة القرآن ويثبت آياته، ومن هو المستفيد برأيكم من محوها، أتركها لذوي الألباب وما يعقلون؟!!
لم يعرف الأسلام الاعتراض على المكان، فالمكان حامل للزمان، فنحن لدينا أوقاتاً للصيام والصلاة والحج والأعياد والجمع، فيما لدينا مكانياً الكعبة والصفا والمروة والجمرات وعرفة والمسجد الأقصى والمسجد النبوي والمساجد قاطبةً ومقام ابراهيم، وكل من هذه الامكنة جعلها الأسلام شرطاً في قبول الطاعات والعبادات لوجه الله تعالى، فهل هذا شرك ايضاً أم ماذا ؟؟!!
وهل سنشهد في دولة الخلافة الجديدة طمساً  لتلك الامكنة بحجة الشرك بالله، كما حدث مع بيت الرسول (ص) في مكة واخراج زمزم من الحرم المكي وألقاءها في الشارع وأهمال غار حراء بل التحريض عليه ودفن الخندق الذي حفره الرسول والصحابة، ثم الكرة على جبل الرماة والشق الجبلي الذي آوى النبي محمد (ص) بعد معركة احد وطمس هذه المعالم التي تحكي قصة الأسلام.
 أما الموضوع الآخر الذي يدور في فلك المكان، ويعكس ايضاً عن الحساسية المفرطة للشرك أزاء المكان هو هدم القبور، حيث عمد أتباع دولة الخلافة في العراق والشام الى تفجير مراقد الانبياء والاولياء في مناطق نفوذهم، فلم يسلم أخيراً حفيد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) من التفجير الذي أصاب مرقده والذي جعله دكاً في الموصل.
وأوجه الكلام مستفهماً الى اتباع الدولة الجديدة عن أمر مهم، وهو أن كان الناس قد بنوا هذا المرقد ووضعوا المنائر والقباب فوقه، وجعلوه معلماً من معالم الشرك كما تصفون، فما الداعي الذي يدفعكم إلى اقلاق روح هذا الولي المطمئن في قبره وافزاعه باصوات التفجير الناتجة من السي فور والتي ان تي، فلو راعيتم حرمته لأمكن لكم تهديم تلك البدع كما تدعون بالمعاول أو بعض الاليات.
ما ذنب هذه الارواح المطمئنة التي حوتها هذه القبور، حتى تكون ساحةً لصراعاتكم العقائدية مع من تختلفون، مستخفين غير ابهين، مما يفسر تلك التصرفات على أنها أهانة لقدر الانبياء والاولياء والتابعين الماضين واستخفاف بقيمتهم مما يتنافى مع تعليمات الدين الحنيف.  
إن ظاهرة هدم القبور والاثار الاسلامية في العراق و الشام و جزيرة العرب تحتاج الى وقفة طويلة وبيان، فالديانة الاسلامية تلزم معتنقيها بدفن الموتى بعد مراسم غسل وحنوط وتكفين ولحد ورفع مستوى القبر بمقدار مع صلاة على الميت، فيما أن هنالك ديانات تحرق الموتى وتنثر رمادهم او تطعم الجثث للنسور في اعالي الجبال بعد تقطيعها، كما ان عرب الجاهلية لم يفقهوا شيئا عن الدفن و القبور و لم يزوروا موتاهم قط اعتقادا بأن الفانين لن يكون لهم معاد حتى جاء الاسلام و غير تلك النظرة، و هنا يثار تساؤل منطقي وهو هل يعقل يا اتباع الدولة الاسلامية أن نصلي على الميت، ثم نعتبر زيارة قبره شركاً موجبين هدمه؟؟!!
أو اننا نعطي في الاسلام مناسبة الموت كل هذا الاهتمام، ثم يتلبسنا الخوف من الشرك بسبب القبور؟؟!!
ليس للمتابع أن يضع دوافعكم في محو الاسلام المكاني الا في خانة روح البداوة والصحراء التي تمنعكم من رؤية الجمال و الابداع و الاحساس بالايمان المصاحب لتلك الامكنة ذاك الذي يجعل المؤمنين يعيشون لحظات التفكر و التأمل التي ارادها الاسلام ومنها الوصول الى حالة من الانغماس الروحي تحيي بها القلوب الميتة عن ذكر الله. !!
الحق اقول لكم أنكم تحاولون قتل الاسلام المكاني لكي يفقد الاسلام الزماني معناه.
إرث مكاني يتعلق بمليارات البشر على مر العصور، وهو محط أنظار البشرية كلها بسبب أممية الدين الاسلامي تحاولون شطبه من قائمة الوجود.
إن الذي حصل في أماكن تواجدكم وما سيليه هو تضييع للمكان كمفتاح لمعرفة الزمان. حتى يعجز اللاحقون عن دراسة الاسلام والامم السالفة مكانياً، في حين أننا نرى أهل الديانات الاخرى ينقبون عن أديانهم في باطن الارض، بينما تتم أزالة الدين الاسلامي.
و لا اعلم كيف غاب عن الخليفة البغدادي وأتباعه ما فعله الفاروق عمر (رض) والمسلمين التابعين حينما أمروا ببناء مسجد يعبد فيه الله قرب الصخرة التي عرج منها الرسول محمد (ص) في بيت المقدس، فهل في هذا  الفعل اشراك للصخرة مع عبادة الله؟؟!!
أن الخوف من المكان والتخويف منه دخل الاسلام متأخراً جداً، ودخل من قبل فرد أنتم تنتهجون فكره وتطبقون أرائه، ذاك الذي أتخذته احدى الأسر نواةً لمشروعها السياسي المشبوه في المنطقة، والذي فضحت معالمه مذكرات مسترهمفر.
من فوق الارض تحت سمع المسلمين وبصرهم تمحى أثار محمد والاسلام ولا من صوت يرفع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق